ابن رشد

143

تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة

واحد منها متصوّر ذاته ، فباضطرار ما يلزم أن يكون معلول « 1 » منها يتصوّر علته . ومن هنا يظهر أن بعضها مبادئ لبعض على جهة الصورة والفاعل والغاية ، على ما تبين من نسبتها إلى صور الأجرام السماوية المستديرة « 2 » ، فإن النسبتين واحدة . وكذلك « 3 » أيضا ليس العلة فيها من أجل المعلول ؛ إذ ليس يمكن في الأشرف أن يكون من أجل الأقلّ شرفا « 4 » ، بل حصول المعلول فيها عن العلة إنما هو شئ تابع لكمال العلة ، كما أن الإحراق تابع لجوهر النار . 42 - وإذا كان هذا كله كما وصفنا ، فمن البين أنه ليس يمكن أن تتصوّر « 5 » العلة منها معلولها ، وإلا أمكن أن تعود العلة معلولة ويستكمل الأشرف بالأقل شرفا ، وذلك محال . ومن هنا « 6 » يظهر كل الظهور أنه إن وضع لها مبدأ أوّل ليس بمعلول لشئ على ما تبين فيما سلف أنه لا يتصوّر إلا ذاته وليس يتصوّر معلولاته ، وليس هذا بشيء « 7 » يخصّ المبدأ الأوّل منها ، بل ذلك شئ يعمّ جميعها حتى الأجرام السماوية فإنا لا نرى أنها تتصوّر الأشياء التي دونها على نحو وجودها ؛ فإنه لو كان ذلك كذلك لاستكمل الأشرف بالأخسّ وكانت تصوّراتها « 8 » كائنة فاسدة كالحال في المعقولات الإنسانية . 43 - وإذا كان الأمر على هذه فكل واحد من هذه المبادئ المفارقة وإن كان واحدا ، بمعنى أن العاقل والمعقول فيه واحد ، فهي في ذلك متفاضلة ، وأحقها بالوحدانية هو الأوّل البسيط ، ثم الذي يليه ، ثم الذي يليه . وبالجملة كل « 9 » ما احتاج في تصوّر ذاته إلى مبادئ أكثر ، فهو أقلّ بساطة وفيه كثرة ما . وبالعكس كل ما احتاج في تصوّر ذاته إلى مبادئ أقلّ فهو أكثر بساطة ، حتى أن البسيط الأوّل بالتحقيق إنما هو الذي لا يحتاج في تصوّر ذاته إلى شئ من خارج .

--> ( 1 ) ت ، ح : المعلول . ( 2 ) ت ، ح : الأجسام المستديرة . ( 3 ) ق ، ح : ولذلك . ( 4 ) ت : من جهة الأخس الأقل شرفا . ( 5 ) ت ، ح : يتصور . ( 6 ) ت : ومن ذلك . ( 7 ) ت ، ح : شئ . ( 8 ) ت ، ح : تصوراته . ( 9 ) ت ، ح : فكل .